الأزمة المالية تعصف بذهب الفلسطينيين

تابعنا على:   09:32 2019-07-23

هواكم - رام الله: كان الفارق في السعر مبلغا بسيطا لا يتعدى عشرين دولارا أميركيا، لكنه بالنسبة لأم خالد مهم لتأمين مصروف منزلها ليوم أو اثنين، فهي أصلا لم تقدم على بيع سوارها الذهبي إلا لذلك الغرض.

أم خالد واحدة من نحو ثلاثين حالة يستقبلها بشكل شبه يومي الفلسطيني مهند برقاوي بمتجره المخصص لبيع الذهب بمدينة نابلس (شمال الضفة الغربية) فقط، ويعكس هذا -وفق وزارة الاقتصاد الوطني- ارتفاعا طرأ على بيع المواطنين المصوغات الذهبية في ظل الأزمة المالية الراهنة.

وبعد مساومة شهدتها الجزيرة نت، حصلت أم خالد على ما تريد، وأخذت ثمن قطعتها الذهبية (نحو سبعمئة دولار) كاملا، وهذا المبلغ سيكفيها وأسرتها نحو شهرين، فهي تساعد زوجها ونجلها الموظفين، وتحاول سد العجز الحاصل لراتبيهما حيث لا يأخذان منه إلا النصف منذ بدء الأزمة المالية التي تدخل شهرها السادس.

وتقول أم خالد -وهي تتنفس الصعداء على فقدها شيئا "عزيزا"- إن طريق هذه الأموال بات معروفا، إذ ستنفق جزءا منها في مصاريف عيد الأضحى، وسيذهب جزء لأقساط المدارس والجامعات.

وهي تدرك أن هذا المبلغ لا يغطي كل احتياجاتها، لكنه يغنيها وعائلتها عن سؤال الناس أو التقدم بطلب قرض بنكي.

مصروف وسداد
ومثل أم خالد لجأت الفلسطينية ليالي عمر لبيع خاتمها الشهر الماضي، وهو جل ما تبقى لها من مصاغها الذهبي الذي باعته في أوقات عسرة مضت عليها وعلى زوجها الموظف بأحد الأجهزة الأمنية، والذي لا يتجاوز راتبه ثمانمئة دولار أميركي.

وباعت ليالي خاتمها بنحو 120 دولارا وقدمتها لزوجها ليقضي بها لوازم المنزل وحاجات أطفالهما للعيد، وتقول إن معاناتهما ليست فقط في قلة الراتب أو في جزء منه، وإنما في خصم البنك حصته بدل القرض المترتب على زوجها من قيمة ما يتلقاه والمحدد بـ50%.

وحسب وزارة الاقتصاد الفلسطينية، فإن يونيو/حزيران شهد ارتفاعا للمصوغات الذهبية وانخفاضا في كميات الذهب بنسبة 6%، مقارنة مع الشهر نفسه من العام الماضي، التي بلغت 789 كيلوغراما تقريبا.

وبين مدير عام مديرية المعادن الثمينة يعقوب شاهين أن الكميات المباعة من الذهب تغطي جزءا كبيرا من السوق المحلي.

ارتفاع البيع
ويلمس التاجر برقاوي ارتفاعا في البيع بدأ قبل شهر ونصف الشهر، والآن يصل ذروته، وعزا ذلك إلى سببين: حاجة الناس الماسة، لا سيما الموظفين العامين الذين يقصدونه بكثافة، وارتفاع سعر الذهب.

ويقول برقاوي إن الفلسطيني لطالما اعتبر أن الذهب ادخار مهم بالنسبة له، من أجل سداد دين أو قرض، أو تنفيذ التزامات مادية ترتبت عليه كالشيكات المؤجلة.

ولبيع الذهب انعكاس سلبي على المواطنين، فهم غالبا لا يعوضون بيعهم بشراء جديد، كما أن كثرة العرض تقلل السعر.

ويتفق نصر عبد الكريم أستاذ الاقتصاد بجامعة بيرزيت مع برقاوي في أن الذهب يعد ادخارا طويل الأجل عند الفلسطينيين، ويكون الحل الأمثل أمام أي ضائقة مالية، خاصة أن خياراتهم شبه محدودة في ظل غياب أي بدائل أخرى لديهم، كالأصول والسندات المالية أو العقارية.

ويضيف أن حاجة الفلسطينيين -لا سيما الموظفين العموميين الذين يشكلون 17% من العمالة الفلسطينية- إضافة إلى غلاء الذهب يدفعان إلى بيع الذهب تنفيذا لالتزامات تراكمت عليهم بفعل أزمة الرواتب التي لا يتلقون منها سوى 60% أو أقل، ويذهب جزء منها (15-20%) لتسديد القروض التي يغرق فيها أغلب الموظفين.

حاجة الموظف
وتشكل الوظيفة العامة مصدرا وحيدا للدخل لأكثر من 75% من الموظفين الذين يصلون لنحو 150 ألفا، كما يفتقر أغلب الموظفين لمشاريع خاصة تدر عليهم دخلا آخر، وقلة الرواتب تجعلهم -حسب عبد الكريم- في "عوز دائم".

ولا يدخر معظم هؤلاء الموظفين أية أموال ثابتة أو متنقلة، وما بحوزتهم من نقد –إن وجد- فقد تم إنفاقه منذ اشتداد الأزمة المالية، ولهذا هم يلجؤون لبيع ذهبهم المدخر عادة منذ الزواج، ويتوقع عبد الكريم ارتفاعا في بيع الذهب إذا استمرت الأزمة.

ورغم تباين أسر الموظفين في دخولها بفعل مشاريع خاصة أو إرث أو الاعتماد على "شبكات الأقارب" في سد العجز المادي لديهم؛ فإن الأزمة ستنعكس على جميع الفلسطينيين بفعل نقص السيولة والركود التجاري والاقتصادي، وتنتقل من الموظف العام للقطاع الخاص ومؤسساته.

ورغم بيعهما مصاغهما أو جزءا منه، لا يزال المصير المجهول ينتظر أم خالد وليالي ويهددهما وعائلتيهما الخوف إذا استمرت الأزمة المالية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات

لا يوجد تعليقات في الوقت الحالي!

أضف تعليقك

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات