زينة وحنّاء.. تقاليد غريبة للجزائريين مع أضحية العيد

تابعنا على:   08:47 2019-08-12

هواكم: قديماً وفي ليلة عيد الأضحى المبارك، أو ليلة العيد الكبير كما يطلق عليها الجزائريون، تلتئم العائلات الجزائرية بكل أفرادها، والفرحة تغمرهم بقدوم العيد، وهي الفرحة التي لا تكتمل إلا بممارسة طقوس وعادات لتكريم الأضحية.

عادات الجزائريين المتميزة في تعاملهم مع أضحية العيد ما تزال راسخة إلى اليوم؛ لأنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأجواء الروحانية المفعمة التي تطبع مواسم الأعياد الدينية، وترتبط أيضاً بالعادات والتقاليد المتجذرة، والتي توارثوها أباً عن جد.

ففي "العيد الكبير" تبدأ هذه الطقوس مبكراً، حيث تحرص أغلب العائلات على شراء أضحية تتوفر فيها شروط السنّة النبوية المطهرة، وتعتبر الأضحية التي تمتلك قروناً الأضحية التي توصف بالكمال، وتحظى بحب الصغار كما الكبار.

ولأن ذبح الأضحية من أوجه التقرب إلى الله، والامتثال لأوامره، يحيطها الجزائريون بهالة من التكريم، حيث تبادر النسوة إلى تزيين جبينها بالحنّاء، حيث يعتبرنها فرداً من العائلة التي يتزين كل أفرادها نسوة ورجالاً وأطفالاً بالحنّاء.

هالة من التكريم

وبعد عملية الذبح، والانتهاء من سلخ الأضحية، وتنظيف الأحشاء لاستعمالها في إعداد وجبات تقليدية خاصة، يلتزم السواد الأعظم من الجزائريين بعادات وتقاليد مميزة في استهلاك لحم الأضحية، يكشف عنها الحاج بوعلام مرواني (75 عاماً)، وهو إمام سابق.

ويقول مرواني لـ"الخليج أونلاين": إنه "خلال اليوم الأول من العيد، والذي يسمى في بعض المناطق بيوم الرأس، وهو اليوم الذي تؤكل فيه الأعضاء الداخلية من الأضحية؛ أي الكبد والطحال، والتي تحضر على مائدة الغداء، في حين تحضر ليلاً وجبة البوزلوف، وهي وجبة تتكون من مكونات رأس الأضحية والأرجل؛ لذلك تسمى بليلة "الرأس" أو "آس نوقريو" بحسب اللغة الأمازيغية".

لحم الأضحية، بحسب الحاج بوعلام، لا يؤكل إلا في اليوم الثاني، وهو اليوم الذي يطلق عليه يوم "المعازيم" بالعربية، و"آس نيمعراط" بالأمازيغية، ففي هذا اليوم تتباين الأكلات الشعبية التي تحضر باختلاف الأماكن والعادات.

وبعض المناطق يطبخ كتف الأضحية قبل موعد صلاة الفجر، ومع انتهاء الصلاة في المسجد يوضع اللحم أمام باب كل بيت، ولدى عودة المصلين من المساجد يمرون على تلك البيوت ويأكلون من ذلك اللحم، وفي هذا اليوم أيضاً تحرص كل عائلة على مشاركة لحم أضحيتها مع زوارها.

وفي اليوم الثالث من أيام العيد، والذي يسمى بيوم "العظام" بالعربية، و"آس نيغسان" بالأمازيغية، تتم عادة استهلاك ما تبقى من أجزاء الأضحية، في حين تقوم بعض العائلات بتجفيف أجزاء من لحم الأضلاع باستعمال الملح والفلفل الأحمر، وترك اللحم تحت الشمس لعدة أيام حتى يجف، وبعد ذلك يخزن إلى فصل الشتاء.

ومن العادات التي يتمسك بها الجزائريون إلى اليوم أن يأخذوا فخذ الأضحية أو كتفها للمخطوبة، حتى تشعر بأنها باتت فرداً من عائلة خطيبها.

حق الفقراء

ورغم غلاء أسعار الماشية، خلال السنوات الأخيرة، ما يدفع بالعائلات الميسورة الحال إلى اقتناء أضاحٍ صغيرة الحجم، أو لجوء البعض إلى الآخر إلى مشاركة الأضحية من خلال اقتناء الأبقار، فإن حق الفقراء مكفول؛ حيث يتصدق الكثير من العائلات بأجزاء من أضاحيها اقتداء بسنة المصطفى عليه السلام.

ومن العادات التي اندثرت في مناطق وتمسكت بها مناطق أخرى بحكم غرابتها، تقديم اللسان للأطفال الذين يعانون من تأخر النطق، حيث تقوم بعض العائلات بجمع سبع قطع من اللسان من عائلات مختلفة وتطبخ للطفل، وتسمى هذه العادة بعادة السبعة ألسنة، حتى يأخذ الطفل من قوة ثغاء الكبش، في حين تمنع كلية الأضحية على الطفل إلا بعد أن تطبخ بطريقة خاصة، وتقدم لخاله الذي ينفخ فيها سبع مرات قبل أكلها.

وبالمقابل يحرم مخ الأضحية على الفتاة العزباء؛ لأن أكل المخ يتسبب في انكماش الوجه والتعجيل بالشيخوخة، في حين تحرم العروس الجديدة من أكل اللسان إلا بعد مرور عام كامل على زواجها؛ مخافة أن تلد طفلاً أبكم، أو تلد طفلاً كاذباً.

ومن العادات جمع جلود الأضاحي واستعمال صوفها في تهيئة العروس المقبلة على الزواج، حيث يجمع أكبر عدد ممكن منها لصناعة أفرشة للعروس من الصوف، وهي العادة التي اندثرت وتمسك بها البعض فقط؛ بحكم أن تهيئة الصوف يتطلب جهداً كبيراً.

في حين تبقى الأسواق الملاذ الأسهل للمقبلات على الزواج لاقتناء حاجياتهن من الصوف، رغم أن الأسر الجزائرية ترمي سنوياً أكثر من 3 ملايين من جلود الأضاحي، ولا يُنتفع من أصوافها، في حين تستورد الجزائر 70% من حاجياتها من المنتجات الجلدية والصوفية.

الأجيال الجديدة

ورغم رسوخ هذه العادات عند الجزائريين فإن هذا الأمر لم يمنع الأجيال الجديدة من التخلي عن بعض منها، ويكشف سعد الأحاج بن جخدل، الأستاذ بجامعة ابن خلدون بمدينة تيارت، لــ"الخليج أونلاين"، أن "المضحين الشباب بدؤوا يميلون إلى معاملة الأضحية معاملة تقنية، مبتعدين عن تلك الأنماط الإكزوتيكية".

ويقول: إنهم "يجلبون الكباش إلى البيوت في اللحظات الأخيرة فقط، ليمنحوا بذلك هامشاً زمنياً ضيقاً لتعامل الأسرة معها بسبب ضيق المساكن، فيلتقطون صوراً سريعة مع الأضحية، وفي صبيحة العيد تسلم لمختصين في الذبح، ليقوموا بكل المهام بدلاً من المضحين الذين يحصلون في نهاية الأمر على قطع اللحم فقط، متنازلين بذلك عن كثير من الأجزاء، على رأسها جلد الأضحية، أو ما يسمى باللهجة الجزائرية بالـ(هيدورة)، والذي يستخدم عند الجزائريين كفراش للجلوس عليه".

وبالعودة للاعتبارات السوسيوثقافية التي حكمت هذا التنازل عن كثير من عادات التعامل مع كبش العيد، فإن بن جخدل لاحظ أن "أهم أسباب هذا التحول تعود إلى التغيير الذي طرأ على بنية العائلة الجزائرية، التي انتقلت من النمط الممتد الذي يعيش فيه الإخوة المتزوجون في بيت واحد، إلى النمط النووي الذي لا تستطيع فيه ربة البيت وحدها التعامل مع الأضحية قبل الذبح وبعده".

إضافة إلى تلك الاعتبارات المتعلقة بضيق المساكن، فبعد أن كان الجزائريون، بحسب جخدل، "يسكنون الأحواش انتقل معظمهم إلى سكن العمارات التي لا تتسع لاحتضان الأضحية واستضافتها أياماً قبل موعد ذبحها، كما أن اطلاع الشباب الجزائري على بعض الآراء الدينية في مذاهب أخرى جعلهم يرون في بعض العادات محض خرافات لا أساس لها من الصحة، فحاربوها داخل أسرهم".

ورغم هذا التحول الكبير في التعامل مع أضاحي العيد فإن البيت الجزائري، برأيه، "يظل متمسكاً بهذه الشعيرة الدينية، ويحرص على توفير الأجواء التي تساعد على ضمان احترامها".

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات

لا يوجد تعليقات في الوقت الحالي!

أضف تعليقك

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات