البقاء للأقوى وله حب الآنسة ميس أيضا

18:43 2019-05-11

أحمد عمر

قصة عطر
يروي خالد معروف، في منشور له على صفحة اسمها "سكلمبو" ملحمة حب صغيرة، نقلتها بتصرف إلى الفصحى: في الصف الخامس، كنت أصاحب زميلة اسمها ميس، بيضاء مثل الثلج، بشرتها أبيض من أحلامي. كنا في مقعد واحد، نتبادل كل ساعة شم ممحاتينا، أشم "محايتها" وتشم "محايتي"، لنعرف أي الفريقين أطيب ربيعا، وكانت "المحايات" معطرة في تلك الأيام.

كانت ميس البيضاء تستمتع بمشاهدة صراع الزملاء وعراكهم، وتصفق للمنتصر، فاتفقت مع الزميل زعتر على مكافأة قدرها خمس ليرات، مقابل وجبة من جدول الضرب، ليرتان ونصف "مقدم" مهر إعجاب ميس، ونصف الخمسة مؤخر الزّفة، بعد انتهاء الدوام.

قال خالد: اعترض زعتر طريقي، حسب الاتفاق الحيلة، فرفعت يدي للكمهِ على طريقة الكاوبوي، يسقط بعدها على الأرض، ففوجئت بصفعة قوية، جعلتني أرى قوس قزح في فصل الصيف. كان لزعتر أخ أكبر منه، يأتي كل يوم ليصحبه في طريق العودة، ويحمل حقيبته الثقيلة، وقد أنجَد أخاه، لم يكتفِ أخوه الكبير باللطمة، وإنما جعلني عبرة لمن يعتبر، ومسح بي الأرض، فصارت بعدها بيضاء مثل الثلج، وسمعتي سوداء مثل أسفل القِدر.

في اليوم التالي دخلت متورما من العقوبة، والدنيا سوداء في عيني، المقاعد، والتلاميذ، والمعلمون كأنهم في ليل كثير النجوم، فوجدت ميس قاعدة بجانب زعتر، وهما يتبادلان شمَّ نسيم "المحايات"، وزعتر يشمّ "محايتها" بأنيابه لا بأنفه، كنت قد مُحيت محوا من قلب ميس. ممحاتي انتهى ربيعها.

منشور خالد معروف  (مواقع التواصل)

قصة الطوبى من وحي قصة عطر ميس

صغيرا، كانت بنات الجيران الجميلات يزرننا مع أمهاتهن: هناء، وهديل النصرانية، وهاديه. وغالبا ما كنت أقرأ في مواعيد الزيارة، وفي غيرها، وأسمع أجمل الأغاني من المذياع، مثل "على ورق الورد ح اكتبلوا، حاكتبلوا جواب"، و"جفنه علم الغزل"، فيقتربن، ويسألن عن الكتاب الذي أقرؤه، فأنشط كأنما من عقال، وأريهن مكتبتي، وأستعرض معرفتي وعلومي، وأشجعهن على استعارة كتب منها، وأكاد أكرههن على القراءة، فلم يكنّ يعرفن السينما، وأبطالها: ستيف ريفز، وماشيستي، وشامي كابور...

وأحيانا أنثر متاعي من عدة الحرب، بجانب أريكتي تحت الدالية، لصيد إعجابهن وأسر قلوبهن، مثل: عصا ننشاكو صينية، وسكين كباس، وحِملَ بعير من كرات اللعب الزجاجية، أجمل من الجواهر، وصور كثيرة كنا نجمعها من قطع الحلوى، كلها لأبطال السينما، وكاميرا تعرض صورا، غنمتها من ولد بعد معركة، كانت هدية من مكة المكرمة، فيها صور للحرم والحجاج. وكنت آمل في مودتهن، وأن أغريهن بقراءة الكتب، واخترت لهن قراءة ألغاز المغامرين الخمسة، وقصص عن بني هلال، وأدفعهن إلى قراءة الكتب، واستعارتها مني، فيفعلن من غير رغبة سوى مرضاتي، وأنا آمل أن يرجعنها، وفيها ورود حمراء، جافة من شدّة الشوق، وجوابات على ورق الورد، وآثار جفن علّم الغزل.

وأذكر أني كنت أتعمد عرض معرفتي وثقافتي، بشرحي كلمة في كتاب أعيره لهادية ذات العينين الناعستين، المكسورتي الجفنين، اللتين تعلّمان الغزل، فخططت تحت جملة في الصفحة الأولى من قصة حبّ، مرسلا رسالة سرية، فكتبت شارحا، بخط سعيد، وعامر بالشوق، بقلم الرصاص القابل للمحو: طوبى لكم، معناها؛ هنيئا لكم.

وكبرنا، وهطلت ثلوج كثيرة، وفاضت أنهار، وبحثت كثيرا عن هاديه، وهديل، وهناء، بين الثلوج، وفي العواصف. بعد أربعين سنة عثرت أخيرا على واحدة، هي هاديه، سنو وايت، وطلبت صداقتها على فيسبوك، وبقي طلبا معلقا، مشنوقا، مدة طويلة على باب مودتها، أدقه بكل يد مضرجة..

كانت في صفحتها صور قليلة، وبعض الذكريات. كانت قد تزوجت من زعتر آكل "المحايات" كما وضح من الصور. وظهر لي أنها لا تحدّث صفحتها المهجورة. السعداء لا يبالون بمخيمات فيسبوك. كنت قد كتبت لها على الخاص، عند طلبي صداقتها: طوبى لكم معناها: هنيئا لزعتر.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات

لا يوجد تعليقات في الوقت الحالي!

أضف تعليقك

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات