إعادة تدوير مواد البناء بغزة.. مهنة يفرضها الحصار والعدوان والفقر

تحويل الخرسانة بواسطة آلية تسمى "الكسارة" تحطم الكتل الإسمنتية إلى حصى صغيرة تستخدم في صناعة حجارة البناء

تحويل الخرسانة بواسطة آلية تسمى "الكسارة" تحطم الكتل الإسمنتية إلى حصى صغيرة تستخدم في صناعة حجارة البناء

تابعنا على:   09:16 2019-09-15

هواكم - غزة: تتداخل ألوان الدماء الجافة مع صدأ الحديد على كفي الشاب الفلسطيني ماهر حسن لتخفي بقعا متشابكة لحروق وكدمات وجروح تسبب بها عمله في "تعديل انثناءات" أطنان من قضبان الحديد التي يتم انتزاعها من ركام منازل دمرتها الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على غزة.

وبين الحين والآخر يستسلم الفلسطيني حسن لآلامه، خاصة وقت الظهيرة، ويحصل على استراحة ليضمد جراح كفيه بقطعة قماش بالية، ويحتسي فنجانا من القهوة المرة قبل أن يعود إلى ما يصفها بـ"الأشغال الشاقة".

أشغال شاقة
ويعمل المئات من الفلسطينيين في قطاع غزة بمهنة نادرة ظهرت قبل سنوات قليلة، وتتمثل بإعادة تدوير مواد البناء الخاصة بالمباني والمنشآت التي تدمرها إسرائيل خلال هجماتها المتكررة على القطاع.

وباتت هناك ورش خاصة مختصة بتعديل قضبان الحديد وتحويل الخرسانة إلى حصى صغيرة، ليتم إعادة استخدامها في إنشاء المباني والطرقات.

ويبدأ حسن عمله مع بزوغ أشعة الشمس في منطقة نائية شرقي مدينة دير البلح وسط القطاع، تتناثر فيها أكوام عملاقة من قضبان الحديد تم استخراجها من ركام عشرات المنازل والمنشآت التي دمرتها غارات إسرائيلية خلال حرب عام 2014 وجولات التصعيد الأخيرة.

ويستخدم العامل الفلسطيني آلة يدوية لتعديل انثناءات الحديد، حيث يضع أحد القضبان الصدئة داخل مجرى مخصص في تلك الآلة ويحرك ذراع ماكينته ليضغط بقوة على مناطق اعوجاج الحديد ويعدله.

وتتسبب نتوءات الحديد الحادة وحرارته المرتفعة بفعل مكوثه تحت أشعة الشمس لفترات طويلة بجروح وحروق لحسن، إلا أنه لا يأبه بذلك ويواصل عمله فهو مجبر على هذه المهنة الوحيدة التي توفر له قوت أطفاله الأربعة وزوجته، في ظل انعدام فرص العمل بغزة وارتفاع مستويات الفقر والبطالة.

وبعد نحو 10 ساعات من العمل تتخللها استراحة قصيرة لتناول الطعام واحتساء القهوة وتضميد الجروح ينهي حسن رحلة الشقاء اليومية.

ويحصل حسن على أجر يومي يبلغ 50 شيكلا (قرابة 14 دولارا) لا يكاد يكفيه لتوفير أدنى احتياجات أسرته، وفق ما قال للجزيرة نت.

أكوام عملاقة من قضبان الحديد تم استخراجها من ركام عشرات المنازل والمنشآت التي دمرتها غارات إسرائيلية

الفقر دافع أساسي
وفي ورشة أخرى مختصة بتحويل الخرسانة إلى حصى صغيرة يتشارك ثلاثة عمال بتزويد آلية تسمى "الكسارة" بالكتل الإسمنتية لتحطيمها إلى حصى صغيرة للغاية تستخدم فيما بعد في صناعة حجارة البناء.

وقبل أن تصل تلك الكتل إلى "الكسارة" يعمل الشاب ياسر القريناوي (27 عاما) تحت أشعة الشمس الحارقة على تحطيم كتل الخرسانة الكبيرة إلى قطع صغيرة نسبيا باستخدام مطرقة يدوية وقوة ومجهود عضلي كبير.

ولعل ما يدفع القريناوي للعمل في هذه المهنة الشاقة كما يقول للجزيرة نت أنه المعيل الوحيد لوالديه وإخوته الخمسة، فوالده عامل متعطل عن العمل منذ سنوات في ظل ندرة فرص العمل بغزة، ولا يقوى على العمل في مثل هذه المهنة الشاقة.

ويقول الشاب الفلسطيني "أعمل يوميا على تحطيم أعمدة الخرسانة الكبيرة بواسطة المطرقة ليسهل نقلها وتفتيتها داخل الكسارة".

ويضيف أن "هذا العمل شاق للغاية ويتسبب لي بآلام حادة في المفاصل والعضلات والعمود الفقري، لكن لا أجد بديلا عنه".

ويحصل القريناوي -الذي يعمل ما يزيد على 12 ساعة يوميا- على أجر زهيد يبلغ 40 شيكلا (نحو 12 دولارا).

ويفتقر العمل في معظم ورش إعادة تدوير مواد البناء في قطاع غزة إلى أي من إمكانيات السلامة المهنية، الأمر الذي يعرض حياة العمال للخطر.

مهنة وليدة الحصار
الفلسطيني علاء نوفل يمتلك ورشة لإعادة تدوير مواد البناء في مدينة غزة، ويقول إن ورشته تشغل 10 عمال وتعمل منذ نحو العام 2009 على إعادة تصنيع ركام المنازل، في محاولة للتغلب على أزمة نقص مواد البناء بالقطاع.

ويضيف نوفل لمراسلة الجزيرة نت "إسرائيل تقنن بشكل كبير دخول مواد البناء للقطاع، خاصة بعد انتهاء الحرب الأخيرة عام 2014، لذلك تساهم ورش إعادة التصنيع في توفير مواد أساسية للبناء، مثل الحديد والحصى".

وتستخدم قضبان الحديد المعاد تعديلها بنسبة محدودة في بناء الأسقف الخرسانية، فمن المهم إضافة قضبان جديدة بنسبة أكبر في أعمال البناء، فالقضبان المعاد تدويرها ضعيفة نسبيا ولا تحتمل الأوزان الثقيلة.   

أما الحصى المستخرجة من "الكسارات" فتستخدم في أعمال تعبيد الطرقات وصناعة الخرسانة المسلحة، وحجارة البناء، كما يقول نوفل.

ويشير إلى أن ورش إعادة تدوير مواد البناء وليدة الأوضاع القاسية والحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، فالدول حول العالم لا يمكن أن تلجأ لاستخدام مواد بناء استخدمت سابقا.

قضبان الحديد المعاد تعديلها تستخدم بنسبة محدودة في بناء الأسقف الخرسانية كونها ضعيفة نسبيا ولا تحتمل الأوزان الثقيلة

استخدامات محدودة
وبشأن احتمالات وجود مخاطر من جراء استخدام المواد المعاد تدويرها في المباني الجديدة، يقول مدير عام مختبر نقابة المهندسين لفحص المواد والتربة محمد الصوالحة للجزيرة نت إنه "يجب استخدام مواد البناء المعاد تدويرها بنسبة بسيطة جدا من إجمالي المواد المستخدمة بشكل عام في المنشأة".

ويضيف الصوالحة أنه "يفضل استخدام هذه المواد في الطرق الزراعية وصناعة الحجارة المستخدمة في بناء الجدران التي تفصل بين الغرف".

ويشير إلى أنه في حال توافر مواد البناء الجديدة فيفضل عدم استخدام أي نسبة من المواد المعاد تدويرها.

ويشدد على ضرورة إجراء فحوص فنية وهندسية لجميع المواد التي تستخدم في البناء -سواء كانت جديدة أو معاد تدويرها- في المختبرات المعتمدة من وزارة الأشغال والإسكان الفلسطينية ومقارنتها بالمواصفات الفنية المطلوبة لكل مشروع.

المصدر : الجزيرة

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات

لا يوجد تعليقات في الوقت الحالي!

أضف تعليقك

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات