"طباخ غلابة غزة"... مشروع من الفقراء الى الفقراء في رمضان

"الغلابة" يتوافدون لملء صحونهم من وجبات الطباخ في غزة

"الغلابة" يتوافدون لملء صحونهم من وجبات الطباخ في غزة

00:46 2019-05-15

تشير الساعة إلى الثالثة بعد الظهر، الشمس عمودية في السماء، وحركة الأسواق خفيفة، لكن في زوايا حيّ الشجاعية شرق مدينة غزّة، تنشط حركة غير اعتيادية يومياً في هذا التوقيت، وتنتشر روائح دخان الطهي من بيتٍ صغير إلى الحارات المجاورة. شدّت روائح الدخان الممزوجة برائحة طهي الطعام المارة في شوارع الحي، حيث أقام أحمد أبو ضلفة موقداً كبيراً يعمل على نار الحطب (بواقي الأخشاب) فوقه بعض الأواني الكبيرة... "هيا يا نضال، جهّز الصحون الصغيرة، لم يعد الوقت كافياً قبل أذان المغرب" قال أحمد المنهمك في تحريك الطبخ.

طيلة شهر رمضان

في مساحة لا تتجاوز خمسة أمتار أسست مجموعة من شباب حي الشجاعية في غزّة، مشروعاً خيرياً يعمل طيلة شهر رمضان المبارك، يتمثل في طهي أصناف منوعة من الطعام، توزّع مجاناً على الفقراء والمحتاجين في المنطقة. وينشغل الشباب في تجهيز الطعام، وتشتد في الوقت ذاته حركة الناس، كلّ يحمل في يده طبقاً صغيراً، يتوق ليملأه بالوجبة الشهية، التي فاحت رائحتها، وعانقت البيوت المجاورة. كلما اقترب موعد أذان المغرب، زادت حركة الناس صوب البقعة الصغيرة التي يعمل فيها طباخ "غلابة غزّة"، وهو الاسم الذي أطلقه أحمد على نفسه، إذ يسعى من خلال مشروعه إلى مساعدة الناس في المنطقة الأكثر تهميشاً وفقراً واكتظاظاً بالسكان، والمعروفة بـ "حي الشجاعية" الذي نُسف بكامله في العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014، في مجزرة سقط ضحيتها أكثر من 200 فلسطيني، ودُمرت أكثر من ثلاثة آلاف وحدة سكنية في خمس حارات.

انتشار الفقر

وقال أحمد "تكاد تجد آثار الحرب إلى اليوم تستنزف المواطنين، منذ انتهاء العدوان حتى يومنا والفقر يأكل المنطقة، ومعظم الأسر هنا محتاجة للمساعدات"، ثم يعطي بسرعة إشارة إلى مساعده في مشروع "الغلابة"، مفادها بأن الوقت حان لتوزيع أواني الطعام على الفقراء. وبلغت نسبة الفقر في غزة نسبة 53 في المئة عام 2018 وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وقد تزداد تدريجاً خلال العام الجاري، مع اشتداد الحصار على القطاع الذي فُرض قبل 12 سنة. وبالمقارنة بين الضفة الغربية والقطاع في نسبة الفقر، فإن الأخير تفوق بأربعة أضعاف. وكان هذا هو السبب الأساسي الذي دفع أحمد إلى إقامة مشروع "الغلابة" لإطعام الفقراء، فهو عاطل من العمل منذ 13 سنة. وتابع "لا يوجد لدي عمل، وأريد أن استغل نهار رمضان في القيام بالخير، فقررت طهي الطعام في الشارع وتوزيعه على الفقراء في حارتي".

سوء الوضع الاقتصادي

ويتوافد الناس إلى المكان بإشعار مسبق، وهو رائحة طهي الطعام التي تفوح إلى مسافات بعيدة، ويكاد عدد المستفيدين من مشروع "الغلابة" يفوق الـ 250 مواطناً، على الرغم من أن القِدَر الثلاثة المستخدمة في الطهي، متوسطة الحجم، ولا تكفي العدد الكبير الذي يزدحم في المنطقة. وأشار أحمد إلى أن "الوضع الاقتصادي سيء على الجميع، وهذا السبب في كثرة قدوم الناس على مشروع الغلابة"، ثمّ يكمل توزيع الطعام بشكلٍ ديناميكي، على الأطباق التي امتدت أمامه، طالبةً منه أن يسكب لهم قليلاً من الطعام. في الواقع تعاني غزّة من سوء الأحوال الاقتصادية، التي وصلت إلى أعلى مستوياتها بعد تفشي نسبة البطالة التي فاقت حاجزالـ70 في المئة بين صفوف العاملين والخريجين.

مشاريع ومساعدات خارجية

وأظهرت معلومات حصلت عليها "اندبندنت عربية" من وزارة العمل الفلسطينية، أن 300 ألف خريج جامعي فلسطيني لا يعملون، الأمر الذي يُعزى له انتشار مشاريع إطعام الفقراء في غزة. فمشروع "طباخ الغلابة" الذي يعمل فيه أحمد ليس وحده في غزّة، بل تكاد أن تجد 15 مشروعاً مماثلاً في محافظات القطاع، منتشرة بين حارات الفقراء، وتشرف عليها أُسَر متوسطة الحال.

ويعود انتشار هذه المشاريع إلى أسباب عدة، منها انتشار الفقر، والفقر المدقع بين الناس، بسبب ضعف رواتب الحكومة، إذ إن موظفي السلطة الوطنية في غزة يتلقون حوالى 40 في المئة من رواتبهم، وحالهم ليست بعيدةً من حال موظفي الحكومة التابعة لحركة "حماس"، الذين تصل رواتبهم إلى 40 في المئة كلّ 50 يوماً. كما تمرّ وكالة غوث اللاجئين "أونروا" بأزمات مالية متكررة، خصوصاً بعد وقف التمويل الأميركي عنها. ويعمل أحمد برفقة ثمانية أشخاص إلى جانبه، يتناوبون بشكل منتظم، كلّ واحدٍ منهم يعرف دوره جيداً، ويقدمون وجبات مختلفة يومياً، مثل الأرز والفاصولياء، البامية، وبعض الأحيان يقدمون اللحوم، وذلك بحسب المتبرع إذا توافر.
وعادةّ يقدم أشخاص من فلسطين وخارجها، مساعدات مالية لمشاريع إطعام الفقراء، ويأتي ذلك في إطار التضامن الاجتماعي، في ظلّ انتشار شحّ الغذاء الذي يهدد حياة سكان غزة. ويتخوّف مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية من انعدام الأمن الغذائي، بينما تشير البيانات الصادرة عنه أن نسبة 31.5 في المئة من الأسر، يعانون من هذه المشكلة الأساسية.

ويحاول أحمد في مشروع "طباخ الغلابة" التخفيف عن الأسر التي فقدت معيلها، إثر المشاكل المالية التي باتت تلاحق سكان القطاع. ووفق مجلس القضاء الأعلى فإنّ 160 ألف قضية لدى محاكم غزّة تندرج على بند الذمم المالية ومعظمها تطاول كبار التجار.

المصدر: اندبندنت عربية

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات

لا يوجد تعليقات في الوقت الحالي!

أضف تعليقك

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات