سيارات طائرة تحلِّق في أجواء المستقبل

العلماء والمهندسون يحاولون إطلاق السيارات الطائرة في الأسواق (istock)

العلماء والمهندسون يحاولون إطلاق السيارات الطائرة في الأسواق (istock)

00:56 2019-05-15

قبل 50 سنةً، استقبلت صالات السينما فيلم المغامرات البريطاني- الأميركي "تشيتي تشيتي بانغ بانغ"، المأخوذ من القصة الشهيرة بالعنوان نفسه لإيان فليمنغ. آنذاك، كانت السيارات الطائرة أشبه بضرب من الخيال. اليوم، تدخل هذه المحركات الآتية من المستقبل حدود واقعنا، وهي بحسب دراسة حديثة نشرتها مجلة Nature، قد تكون - وفي بعض الرحلات -_أكثر رفقا بالبيئة حتى من السيارات الكهربائية المستخدمة، مسهمةً في خفض الانبعاثات، ومواجِهةً الزيادة المطردة في حركة المرور. ولكن، ربما لن تصل إلينا هذه المحركات الواعدة في الوقت المناسب لتشكِّل حلاً واسع النطاق لأزمة الطاقة وازدحام السير، والسبب فجوات في التكنولوجيا المطلوبة، فضلاً عن شكوك علمية بهذا الشأن – هذا إذا جاءت بالفعل.

ابتكار السيارة الطائرة

ربما تبدو حقيقة أن السيارة الطائرة أكثر كفاءة من نظيرتها السيارة التقليدية أقرب إلى الجنون، لا سيما أن الطائرات التقليدية معروفة باستهلاكها الضخم للوقود. ولكنّ الطيران بطبيعته لم يكن يومًا غير فاعل- ففي الواقع، تجتاز طيور كثيرة قارات من دون أن تتوقّف لتأكل. من جهة أُخرى، لا ننكر أن سيارة صغيرة بأربعة مقاعد ليست طائر "القطرس" المعروف بقدرته على قطع آلاف الكيلومترات في كل رحلة، وهي كذلك ليست طائرة "بوينغ 737" الأميركية الأكثر مبيعًا حول العالم.

وعلى الرغم من كثرة الوسائل المُتاحة لابتكار سيارة طائرة، فإن معظمها عسير التطبيق، فيما اعتمدت دراسة حديثة في هذا المجال تقنية الإقلاع والهبوط العمودي vtol، لصناعة "وحوش" طائرة مذهلة.

إن كنت سمعت بـ"الإقلاع والهبوط العمودي" أو "الفيتول" Vtol ، ستتبادر إلى ذهنك طائرة "هارير جامب جيت" Harrier Jump Jet النفاثة العسكرية بريطانية التصميم، ذات المحركين الضخمين اللذين يمكن توجيههما رأسيًا أو أفقيًا. ولكن السيارات الطائرة التي نتحدّث بشأنها تعمل بشكل مختلف، فهي أصغر وأخفّ مقارنة بـ"هارير"، فضلاً عن أنها مزوّدة بمراوح كهربائية صغيرة تنفخ الهواء من أماكن عدة. وتشكِّل تكنولوجيا الدفع الكهربائي سريع التطوّر والانتشار مفتاح الفاعلية عند السفر، كذلك تحمل فرصًا لإقلاع وتحليق هادئين، بالإضافة إلى إمكان التحكمّ بمصادر الضوضاء الصغيرة.

أضف إلى ذلك كله مرونة يكتسبها تصميم الجناح والمروحة ليصبح طويلاً ورقيقا مستعينًا بأسطح ذات أجزاء متحركة عدة، فتحلّق المركبة في السماء كطائر كفء. هدف هذه التحسينات التقنية الوصول إلى أكبر قوة رفع للحدّ الأدنى للسَحب- و هي القوة التي تعارض حركة جسم ما عبر الهواء وتبطئه. من ثم، نصل إلى استهلاك أقلّ للطاقة، أي انبعاثات أقل.

تعزِّز هذه الابتكارات الموفِّرة للطاقة السرعة خلال السفر، ولكنها في المقابل لا تبدي أية مساعدة في الإقلاع والتحليق والهبوط، وهي عمليات ما زالت غير ناجعة بطبيعتها. لذا فإن مركبات Vtol الطائرة لن تحلّ أزمة الطاقة، على الرغم من أنها قابلة لتأخذ مكانها في الرحلات القصيرة بين المدن، أو حتى في خدمة توصيل البيتزا إلى منزلك!

في ما يتعلّق برحلات المئة كم، تبقى المركبات الكهربائية الطائرة أكثر كفاءة من السيارات العاملة بالبنزين بنسبة 35 في المئة، فيما ترجح كفة الأخيرة إزاء حقيقة أن المركبتين تحتملان عدد الركاب نفسه. ولكن كي لا نظلم السيارات الطائرة، لا بدّ من الإشارة إلى أنها ربما تستخدم للأجرة في ممرات محددة لها مسبقًا، من ثم تتمكّن من نقل عدد أكبر من الركاب. ومع أخذ هذا العامل في الاعتبار، تبقى الانبعاثات التي تخلِّفها أقلّ بنسبة 6 في المئة مقارنة بالسيارة الكهربائية التقليدية، أي المُعتمدة على الطرقات.

كلما ازدادت مسافة الرحلة، ازدادت أيضًا كفاءة السيارات العاملة بنظامstart-stop ، ويقوم الأخير على مبدأ إطفاء المحرك عند توقّف السيارة، ولحظة رفع قدم السائق عن دواسة المكابح يشغل المحرك نفسه تلقائيًا وبسلاسة. وعلى هذه المركبات أن تتعامل مع المقاومة الدوارة وتدفق الهواء الأقل فاعلية. ولكن للأسف، تبقى المسافة بمنزلة "كعب أخيل" في عالم الطيران الكهربائي. تبحث الدراسة في مدى يصل إلى 200 كم، وفي هذه الحالة تقدِّم السيارة الطائرة أداء حسنًا. ولكن في حين أن الطائرات العاملة بالوقود النفاث قد تخسر نحو 70 في المئة من وزنها خلال التحليق (مئة كغم من ثاني أكسيد الكربون لكل راكب في الساعة)، فإن البطاريات لا تصبح أخفّ عندما تفرغ. من ثم، فإن حمل الأخيرة يشكِّل عيبًا واضحًا على بعد 200 كيلومتر أو أكثر.

تبقى وجهة النظر الصحيحة أن الطائرات الكهربائية ستكون مجدية في رحلات المسافات القصيرة. ثمة مسألة لا بدّ من أن تستدعي الاهتمام وهي كثافة الطاقة (كمية الطاقة المخزونة في منطقة من الفراغ لكل وحدة حجم)، وتقاس بالواط في الساعة للكيلوغرام. راهنًا، توفّر أفضل البطاريات نحو 250 واط- الساعة/كغم، أي نحو 12,000 واط- الساعة/ كغم من وقود الطائرات والبنزين. ربما تصل البطاريات إلى 800 واط- الساعة/ كغم في منتصف هذا القرن، ما يزيد من نطاق عملها إلى 700 ميلاً لنصف الرحلات العالمية الواقعة ضمن هذه المسافة. ولكن بعيدًا من الابتكار الدراماتيكي في تكنولوجيا البطاريات، ربما يحتاج الوقود الحيوي، وذلك الناتج عن تحويل ثاني أكسيد الكربون في الهواء إلى وقود، إلى أداء دور مهم في السفر الجوي بعيد المدى.

مشاكل في التطبيق

في تركيزها على طبيعة السيارات الطائرة، لا تتناول الدراسة أمورًا عملية عدة تجب مراعاتها قبل أن نعتمد سيارات  Vtol كشكل مستدام من وسائل النقل المستقبلية. مثلاً، من المهم النظر في تكاليف الكربون للإنتاج والصيانة والتوقّف، والمعروفة بمسمى "تحليل دورة الحياة" LCA.

يُشار هنا إلى أن السيارات الكهربائية بدورها تعرّضت لانتقادات في ما يتعلق بالطاقة المستهلكة والتكاليف البيئية المترتبة عنها لاستخراج المواد الأولية للبطاريات كاليثيوم والكوبالت.

أما البنية التحتية الإضافية المطلوبة للرحلة فربما تفاقم مشكلة المركبات الطائرة أيضًا. وطبعًا، فإن الشبكة العاملة بمصادر منخفضة الكربون ضرورية لجعل المركبات التي تعتمد على البطاريات جزءًا من الحل لأزمة المناخ.

كذلك لدى هذه المركبات الطائرة معايير صارمة بشأن الصيانة والتوقّف، ولكن يمكن تعويضها في الأداء والانبعاثات.

ونظرًا إلى كونها نوعًا جديدًا من الطائرات، فإننا نعجز عن التنبؤ بالمبلغ المطلوب لإبقائهابحالة جيدة للطيران. والحقيقة المرّة أن مضاعفات الصيانة غير المتوقعة وحدها تستلزم مليارات الدولارات، وشركة "بوينغ" تدرك ذلك جيدًا.

لن ننسى الطقس، إذ يشكِّل عاملاً مهمًا في هذا المجال أيضًا. تقلِّل الرياح الخلفية التي تبلغ 35 ميلاً في الساعة استخدام الطاقة والانبعاثات بنسبة 15 في المئة، ولكن الرياح المعاكسة بمعدل الأولى نفسه تزيدها بنسبة 25 في المئة. أما الاضطرار إلى حمل بطاريات إضافية ثقيلة لتجنّب الكارثة المحتملة في حال نفاد الشحن، ذلك قبل تحديد مكان هبوط مناسب، فقد يذهب بعملية تخفيف الانبعاثات أدراج الرياح. على النقيض من ذلك، يمكن بسهولة سحب السيارات العادية إلى جانب الطريق عند الحاجة، من دون أي  آثار تُذكر.

لذا عندما يتعلق الأمر بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل كيلومتر لكل مسافر، فإن السيارات الطائرة المتقدمة DEP تبقى في أفضل الأحوال مماثلة للسيارات الأرضية الكهربائية، وفي أسوأ الأحوال أفضل قليلاً من سيارات الاحتراق العادية. ولكن عبر إنجاز التحسينات المتعلقة بالتكنولوجيا والسلامة، تؤدي هذه المركبات دورًا لافتًا في مستقبل خال من الوقود الأحفوري، مبعدةً الطائرات قصيرة المدى من السماء، ومنظفةً الطرقات من الدخان.

يبقى أن كثيرين يسألون: هل ستكون السيارات الطائرة جاهزة في الوقت المناسب لإحداث تغيير في أزمة الطاقة الملحة؟ وهل ننتظر 30 سنةً لتحقيق ذلك؟

هيو هانت محاضر في هندسة الديناميكا والاهتزازات في جامعة "كامبريدج". نُشرت هذه المقالة أولاً في مجلة The Conversation .

© The Independent

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات

لا يوجد تعليقات في الوقت الحالي!

أضف تعليقك

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات