الجاحظ وابن عربي وآخرون.. هكذا تحوّلوا لأبطال روايات حديثة

19:12 2019-05-07

تمثل صناعة الرواية تطورا لأقدم ممارسة ثقافية عرفها الإنسان منذ بدأ الكلام، وهي الحكي الذي تحول من الشفاهة إلى الكتابة ثم الطباعة، وأصبح ينتمي في عالم الأدب لقالب "الرواية".

وتعد الرواية التاريخية طريقة بديعة لرواية السير الإنسانية، وفي هذه النماذج تتحرك الروايات في الزمن بحرية، فهي تمزج عصور الشخصية التاريخية بزمن راوي القصة، وتجعل من شخصيات تاريخية ملأت التراث العربي ثراءً وإبداعا قصصا أدبية وإنسانية مفيدة وماتعة.

وفي هذا السياق تحظى الرواية التاريخية بمكانة خاصة، فهي تجمع أحداث التاريخ وإبداع الأدب الروائي والبناء الدرامي، وتكتسب عنصرا إنسانيا استثنائيا يتمثل في التجربة الإنسانية ورحلة بطل الرواية التي توفر للروائي إطارا سرديا جاهزا يمكن أن يطوّعه لبناء نصه الأدبي.

وفي هذه الروايات الخمس، بدا حضور الماضي في الحاضر والحاضر في الماضي واضحا، فأغلبها يمزج زمنين أو أكثر، وأحيانا لغتين أو لهجتين أو أكثر، لتشكل المفارقة الزمنية والمكانية مساحات إبداعية وتخيلات خصبة.

"الحدقي" لأحمد فال ولد الدين
في الرواية التي تمزج بين زمن الأديب العربي الكبير أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ وعصر الكاتب المعاصر الذي يوصف في الرواية بـ"القروي"، يحكي أحمد فال ولد الدين عن شخصية الجاحظ ويتناول كذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي وإبراهيم النظّام وابن المديني وابن حنبل وغيرهم من المعاصرين لبطل الرواية.

ويبدو من الرواية أن الكتاب يحاول استدعاء شخصية تاريخية ليخوض بها غمار معاركه الحديثة في سبيل اللغة العربية ومكانتها السامقة، ويضع القارئ في زمن ثراء وتنوع وانفتاح النقاشات العربية التي دارت بين الفرق الإسلامية في زمن رخاء الدولة العباسية ونشاط حركة الترجمة فيها، ومع ذلك يفوته أن ينتقد فرض المعتزلة آراءهم بالقوة.

ومع تداخل زمني الرواية يمتزج الخيال بالواقع، فالرواية التي تستند لقصة واقعية هي سيرة الفصيح اللاذع الساخر الجاحظ، تتشابه فيها جوانب من زمان القروي والحدقي اللذين يعانيان في سبيل الحب والوصول للمعشوقة، رغم أنه يفصل بينهما أكثر من 1200 عام.

وتبدأ قصة الجاحظ في الرواية برحيل أديب كبير آخر هو الشاعر بشار بن برد الذي قتل بتهمة الزندقة، وكان الجاحظ حينها طفلا في سني عمره الأولى، واشتهر بعينيه الجاحظتين الواسعتين اللتين تدوران بسرعة متأملتان كل التفاصيل، قبل أن تزدهر الرواية بحوارات تكشف عن آراء الجاحظ في الأدب والسياسة والمجتمع والأخلاق والنساء.

ويستمر السرد في الرواية بعد ذلك ليتناول البصرة ومساجدها وطلاب العلم فيها ودرب الوراقين والكتب المتناثرة على جوانبه، ويمزج الكاتب التفاصيل والأحداث التاريخية التي دارت في زمن الجاحظ بطريقة مشوقة، متناولا كذلك مجال الخلفاء وحياة بغداد وبلاط الخليفة المأمون، وحتى مجالس الشرب والسمر والغناء وبيت الحكمة وخبايا السياسة والسجون.

وفي العاصمة العباسية يصبح اسم الجاحظ معروفا بعد أن تشتهر كتاباته الأدبية وأسلوبه الأدبي المميز بانتشار "الحيوان" و"البيان والتبيين" ورسائله الشهيرة كالبخلاء والبرصان والعرجان والبيان والتبيين والمحاسن والأضداد، وعرفت بغداد بمختبرها للترجمة الذي استدعي له مهرة النساخ وعلماء اللغات.

وجمعت رسائل الجاحظ الأدبية بين موسوعيته ومنهجه في البحث العلمي والعقلاني، بما فيه الشك والنقد والاستقراء، وبين الصيغة الأدبية الجمالية الطريفة، وحفظت رسائله نوادر شعرية لم ترد في مصادر أخرى.

"سمرقند" لأمين معلوف
ومثل قصة الجاحظ، تحكي رواية سمرقند لأمين معلوف مزيجا من الفن الروائي والبحث التاريخي، وتدور كذلك في حقبتين زمنيتين مختلفتين هما: زمن عمر الخيام النيسابوري (القرن الثالث عشر)، وزمن جمال الدين الأفغاني (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، وقسمت الرواية إلى أربعة كتب، هي: شعراء وعشاق، وفردوس الحشاشين، ونهاية الأعوام الألف، وشاعر تائه.

وتكشف تفاصيل الرواية الكثير من التفاصيل التي تمزج كذلك الشعر والحب والفلسفة والسياسة والدين، وتقدم لوحة تاريخية زاهية الألوان ودسمة بالأحداث والشخصيات.

وفي الجزأين الأولين من الرواية يتناول السرد زمن التخبط الفكري والاضطرابات السياسية التي سادت العالم الإسلامي في زمن السلاجقة وحسن الصباح مؤسس فرقة الحشاشين، وتتناول عنف الصباح وقلعة "الموت" الحصينة التي استعصت على الاقتحام طويلا قبل أن يدمرها المغول.

وينتقل الكاتب بالقارئ زمنيا في الجزء التالي لنهايات القرن التاسع عشر الذي تبرز فيه شخصيات جديدة، ويتعرف القارئ على بنيامين ع. لوساج الأميركي الذي أحب عمر الخيام ورباعياته ومقابلته مع جمال الدين الأفغاني التي كانت نقطة التحول في حياته، إذ سهل له طريق الوصول إلى مخطوط سمرقند، ليبدأ رحلة مثيرة بدأها من باريس إلى القسطنطينية حتى فارس، ويشهد هناك الحروب والثورات وتتوج رحلته بعثوره على المخطوط ولقائه بشيرين حفيدة الشاه.

وتنتهي الرواية برحيل بنيامين وشيرين ورباعيات الخيام إلى أميركا على متن الباخرة تايتانيك وغرق المخطوط للأبد في أعماق المحيط.

موت صغير لمحمد علوان
وفي روايته "موت صغير"، لا يكتفي الروائي محمد حسن علوان بحكايات وآثار الصوفي الأكبر ابن عربي صاحب "الفتوحات المكية"، ولكنه يقتحم إنسانه مقدما إياه في أكثر لحظات ضعفه الإنساني وأرق لحظات عشقه الأرضي.

وتغوص الرواية في حياته العاطفية باختطاف قلبه بعد أن وقع في العشق، وحيرته الإيمانية بحثا عن ذلك اليقين المطلق. وابن عربي هو محي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي (1164-1240 للميلاد) ولد في الأندلس وتوفي في دمشق، واشتهر بلقب "الشيخ الأكبر".

وقد اختطف علوان "الشيخ الأكبر" إلى عالمه الروائي الرومانسي المفعم بالمشاعر، إذ قدم من قبل أربع روايات تتعرض لعلاقات حب بين الرجل والمرأة، منها "صوفيا"، و"طوق الطهارة".

يقودنا الراوي في "موت صغير" عبر مسارين، فيحكي تاريخ انتقال مخطوطة تقص سيرة ابن عربي منذ عام 610 هجرية وحتى اكتشافها عام 1433 هجرية، وفي المستوي الثاني تأتي سيرة ابن عربي منذ لحظة ميلاده حتى وفاته، مستعرضا الصعاب التي لاقاها منذ ولادته في الأندلس وحتى وصوله إلى مكة مرورا بدمشق.

ويستعرض الكاتب كيف استقر ابن عربي في مكة المكرمة وأنجز مؤلفه الأهم "الفتوحات المكية"، وظن أنه سيهدأ ويقر عينا بما أنجز، لكنه يلتقي "نظام" ابنة شيخه "زاهر الأصفهاني" فيغرم بها ويكتب عنها ديوانه "ترجمان الأشواق".

غير أن العاشق يُفاجأ برفضها، ليكتشف أنها كانت وتدا من أوتاد الأرض الأربعة، طبقا للفهم الصوفي، وبالتالي فدورها تثبيت الإيمان والدين في قلوب من يهديهم الله، وفق المتصوفة الذين يعتقدون بوجود القطب الأكبر أو "الغوث" لإدارة شؤون الأرض وتحته أربعة أوتاد يساعدونه، مما جعله على يقين باستحالة ارتباطهما.

"العلامة" لبنسالم حميش
تتناول رواية العلّامة سيرة قاضي القضاة المالكي مؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن ابن خلدون، وينسج فيها الروائي بنسالم حميش على لغة ابن خلدون في كتابه المقدمة.

وتتناول الرواية الدسائس والمؤامرات التي تحاك ضد الفقيه المغربي في الديار المصرية، وتروي رحلته للحج وعودته ليتزوج أرملة كاتبه المتوفى، ويروي قصة الحب الذي عاشه ابن خلدون في كهولته؛ وقد تعرضت الرواية لانتقادات شملت اتهامها بتشويه صورة ابن خلدون الأخلاقية.

ورغم افتقاد الرواية للحبكة الدرامية وميلها للسرد التقريري المشابه للسير الذاتية، فقد جاءت مشابهة للروايات التاريخية التي يلبس فيها الروائي بطل رواياته أثوابا خيالية، ويقدمه للقارئ كما يراه في مخيلته الخاصة، وربما اضطر لصناعة شخصيات غير تاريخية ليكمل بناء السرد.

ولا تتجنب الرواية زيارة ابن خلدون لتيمور لنك، إذ يروي الفصل الثالث لقاء العالم المغربي بالحاكم الدموي ومفاوضته على تسليم دمشق مع الأمان لأهلها، لكن تيمور لنك لم يف بوعده وأحرق المدينة، ورحل ابن خلدون إلى مصر ثم مرض مرضه الأخير الذي منعه من تحقيق أمنيته في العودة إلى موطنه الأصلي.

الرئيس لمحمد العدوي
ويتناول الروائي الشاب محمد العدوي شخصية ابن سينا في روايته المفعمة بسحر الشرق وبلاد فارس، وبدا أن الرواية التي تمزج أدب الرحلات القديم بسيرة ابن سينا الذاتية وفلسفته، تمزج كذلك بين قصة الفيلسوف وزمنه وبين قصة الراوي الباحث والمتعلق بتراث ابن سينا، الذي رحل وراءه من أصفهان لطهران وهمذان، بعد أن ارتبط به منذ رآه في حلم قائلا "إن الإنسان يجهل أكثر مما يعرف، وغاية المعرفة إفادة اليقين حتى يصل منه إلى مبدأ الوجود وعلله".

ورغم أن ابن سينا دوّن جزءا من سيرته بنفسه، لكن الراوي آثر التنقيب عنه كذلك عبر تلميذه أبو عبيد الجوزجاني التي يظهر فيها ابن سينا وحيدا حزينا يحتال ليبيح الخمر لنفسه، فيجعلها حراما للعوام جائزة للخواص، ثم يعاهد الله على التوبة ويترك معاقرتها.

وحملت الرواية الكثير من التساؤلات التي عبر بها الكاتب من زمن ابن سينا إلى جيله المعاصر، "فمن شاهد الحق لزمه لزوما أو تركه عجزا، ولا منزلة بين هاتين المنزلتين إلا منزلة الخمول".

وتروي الرواية التي تتحرك عبر الزمن بحرية قصة تعلق ابن سينا بجاريته ورد وتعلق الراوي بالجمال الفارسي الذي كاد أن ينسيه واقعه المضطرب، ويتجول مع القارئ في التاريخ المنسي منوها بثقافات الشعوب الفارسية ومقتبسا كلمات فارسية داخل النص العربي، لكنه في النهاية ينتهي إلى المقصود من الرحلة كما وصل ابن سينا في رحلته القديمة.

لقد كانت حياة الدول التي حكمت هذه المنطقة من العالم مضطربة، أقصد سياسيا، لم يهنأ العالم باستقرار لفترة طويلة، لم يهنأ أبدا، وحتى أخلاقيا، فالخمر وبيوت الغناء والجواري كانت شيئا ثابتا في هذا المجتمع؛ كما يقول راوي الرواية.

ويضيف "كان عندهم فسّاق ولصوص ومستبدون، ومع ذلك قامت في حضرتهم نهضة مدنية عالية، استوعبت إرث العالم ونمّته حتى سلمته إلى أوروبا في عصر النهضة".

ونحن لا نختلف عن أسلافنا اليوم في هذه الأوضاع المضطربة، ولا في أن حولنا أخطارا تحدق بنا، ولا في أننا مستهدفون، ولا في أننا اتجهنا للهو وتركنا صحيح الدين؛ كل ذلك يشبهوننا به، كما يقول العدوي لكن هناك شيئا آخر، فقد "انقطعت صلتنا بالامتداد الحضاري الطبيعي لأي تجمع بشري، وانتهينا إلى ما نحن فيه، حتى تكاد صفة الانتساب لما هو عربي أن تكون سبّة أو وصمة تجمع كل المعاني الناقصة، كل ما أريده أن أضع يدي على هذا الشيء المفقود، فقط!".

المصدر : الجزيرة

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات

لا يوجد تعليقات في الوقت الحالي!

أضف تعليقك

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات